عيسى بن مريم عليه السلام في عقيدة أهل السنة والجماعة: مسيرته، معجزاته، وحقيقة رفعه
مقدمة: مكانة المسيح في الإسلام
يُعد نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) من أعظم الأنبياء والرسل في الدين الإسلامي، وهو أحد "أولي العزم من الرسل" (وهم نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام). في عقيدة أهل السنة والجماعة، عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم البتول، وروح منه. لم يكن إلهاً ولا ابن إله، بل هو نبي كريم اصطفاه الله لهداية بني إسرائيل ودعوتهم إلى التوحيد الخالص.
الولادة المعجزة: آية للعالمين
تبدأ القصة بمعجزة خارقة للعادة؛ فقد اصطفى الله مريم العذراء وطهرها على نساء العالمين. أرسل الله إليها المَلَك جبريل (عليه السلام) في صورة بشر ليبشرها بغلام زكي. ورغم أنها لم يمسسها بشر ولم تك بغياً، نفخ جبريل فيها من روح الله، فحملت بعيسى لتكون ولادته آية كبرى ودليلاً قاطعاً على قدرة الله المطلقة التي لا تحدها الأسباب المادية المعتادة (﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾).
معجزات نبي الله عيسى (بإذن الله)
أيد الله نبيه عيسى بمعجزات باهرة لتكون حجة على بني إسرائيل الذين برعوا في الطب في ذلك الزمان، وقد أكد القرآن الكريم ومذهب أهل السنة أن جميع هذه المعجزات حدثت "بإذن الله"، ومن أبرزها:
- الكلام في المهد: نطق وهو طفل رضيع ليبرئ أمه مريم من التهم الباطلة، قائلاً: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
- إبراء الأكمه والأبرص: كان يمسح على المريض الذي ولد أعمى، أو المصاب بمرض البرص المستعصي، فيشفى تماماً بإذن الله.
- إحياء الموتى: إظهاراً لقدرة الخالق، أحيا عيسى بعض الموتى ليكونوا دليلاً قاطعاً على صدق نبوته.
- النفخ في الطين: كان يصنع من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيصبح طيراً حقيقياً يطير بإذن الله.
- إنزال المائدة: استجاب الله لدعائه وأنزل مائدة من السماء لتكون عيداً وآية للحواريين (أتباعه المخلصين).
رسالته: الإنجيل والبشارة بخاتم الأنبياء
جاء عيسى (عليه السلام) مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومحللاً لبعض ما حُرِّم على بني إسرائيل تخفيفاً ورحمة بهم. أنزل الله عليه كتاب "الإنجيل" الذي احتوى على النور والهداية والموعظة.
ومن أهم ركائز رسالته في عقيدة أهل السنة أنه بشّر بقدوم نبي من بعده يختم الرسالات السماوية، وهو نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما ورد في القرآن: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
حقيقة الصلب: الرفع إلى السماء
يختلف الإسلام جذرياً عن المعتقدات الأخرى في مسألة نهاية فترة عيسى على الأرض. تؤمن عقيدة أهل السنة والجماعة إيماناً يقينياً بناءً على صريح القرآن بأن اليهود لم يقتلوا عيسى ولم يصلبوه.
عندما تآمروا لقتله، ألقى الله شبه عيسى على رجل آخر (يُعتقد أنه من تآمر عليه أو أحد أتباعه الذي فداه بنفسه)، فصلبوا ذلك الشبيه وهم يظنون أنه المسيح. أما عيسى (عليه السلام) فقد رفعه الله إليه بجسده وروحه حياً إلى السماء، وطهره من الذين كفروا. قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
عودة المسيح في آخر الزمان (النزول الأكبر)
من العقائد الثابتة والأساسية عند أهل السنة والجماعة، والتي تواترت بها الأحاديث النبوية الصحيحة، أن عيسى بن مريم سينزل في آخر الزمان كعلامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة.
- مكان ووقت النزول: ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعاً يديه على أجنحة مَلَكين.
- دوره في آخر الزمان: ينزل عيسى ليحكم بشريعة الإسلام (شريعة محمد صلى الله عليه وسلم)، وليس كنبي برسالة جديدة. سيقوم بقتل "المسيح الدجال" عند باب لُدّ في فلسطين، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام.
- عصر السلام والرخاء: في عهده يعم السلام والأمان في الأرض، وتفيض الخيرات والأموال حتى لا يجد من يقبلها، وتُنزع العداوة من قلوب الناس والحيوانات.
وفاته
بعد أن يمكث عيسى (عليه السلام) في الأرض ما شاء الله له أن يمكث (ورد في بعض الروايات أنه يمكث أربعين سنة)، يتوفاه الله الموتة الطبيعية التي كُتبت على كل بشر، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه في الأرض. وبذلك تكتمل مسيرة أحد أعظم الرسل الذين وطئوا هذه الأرض.
