المسيح الدجال أعظم فتن الأرض، صفاته، ونهايته في ضوء الكتاب والسنة
مقدمة: أعظم فتنة منذ خلق آدم
تتفق عقيدة أهل السنة والجماعة على أن ظهور "المسيح الدجال" هو من كبرى علامات الساعة، وأنه يمثل أعظم وأشد فتنة تمر على البشرية منذ خلق الله آدم وحتى قيام الساعة. سُمي "مسيحاً" لأن إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنه يمسح الأرض (يقطعها) في أربعين يوماً. وسُمي "دجالاً" من الدجل وهو الخداع والتغطية؛ لأنه يغطي الحق بالباطل، ويدّعي الربوبية كذباً وزوراً.
الدجال في القرآن الكريم: لماذا لم يُذكر باسمه صراحة؟
يتساءل البعض: إذا كان الدجال بهذه الخطورة، فلماذا لم يُذكر صراحة باسمه في القرآن الكريم؟
أجاب كبار علماء أهل السنة عن هذا التساؤل بإجابات شافية:
- احتقاراً لشأنه: يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره من العلماء، إن القرآن الكريم لم يذكر الدجال باسمه احتقاراً لشأنه واستصغاراً لادعائه الربوبية، فتعالى الله أن يذكر عبداً كذاباً يدّعي الألوهية في كتابه العزيز.
- الذكر الضمني (الإشارة إليه): أشار القرآن الكريم إلى الدجال ضمناً ضمن "الآيات" التي تسبق يوم القيامة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: 158]. وقد فسر النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه الآيات بثلاث: "طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".
- الاكتفاء بنزول عيسى: ذكر القرآن نزول عيسى ابن مريم (عليه السلام)، ومن المعلوم في السنة أن المهمة الأساسية لنزول عيسى هي قتل الدجال، فاكتفى بذكر المسيح عيسى (مسيح الهدى) عن ذكر المسيح الدجال (مسيح الضلالة).
الأدلة من السنة النبوية المطهرة
لقد تواترت الأحاديث النبوية الصحيحة التي تثبت خروج الدجال وتحذر الأمة منه، ومنها:
- عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» (رواه مسلم).
- وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ من فتنته في كل صلاة قبل السلام قائلاً: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (متفق عليه).
صفات الدجال الخَلقية (كيف نعرفه؟)
من رحمة الله بهذه الأمة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) وصف الدجال وصفاً دقيقاً لا يدع مجالاً للشك، لكي يعرفه المؤمنون ولا يغتروا به:
- شاب جسيم وأحمر: هو رجل شاب، ضخم الجثة، أحمر البشرة.
- أعور العين: عينه اليمنى ممسوحة لا بارزة ولا غائرة (كأنها عنبة طافية)، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة.
- مكتوب بين عينيه (كافر): يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ». وهذه علامة يجعلها الله للمؤمنين فقط.
- جعد الشَعر: شعره شديد الجعودة وقصير.
- عقيم: لا يولد له ولد.
فتنته وما يعطيه الله من الخوارق
خروج الدجال هو امتحان إلهي عظيم، فقد أعطاه الله قدرات وخوارق للعادة (استدراجاً له وابتلاءً للناس)، منها:
- جنته وناره: معه جنة ونار، ولكن حقيقتها عكس مظهرها. يقول النبي: «فَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فَمَاءٌ بَارِدٌ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ فَنَارٌ تُحْرِقُ».
- التحكم في المطر والنبات: يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت بإذن الله.
- إحياء الموتى (بإذن الله): يقتل شاباً مؤمناً يخرج إليه من المدينة المنورة، فيقطعه نصفين، ثم يأمره بالقيام فيقوم، ليقول له الشاب: "والله ما ازددت فيك إلا بصيرة (أي تأكدت أنك الدجال)". ولا يسلطه الله على قتل أحد بعده.
كيف نحمي أنفسنا من فتنته؟
وضع لنا المنهج النبوي خطوات عملية للحماية من هذه الفتنة الطامة:
- الفرار منه وعدم مواجهته: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ (أي يبتعد)، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ».
- حفظ فواتح سورة الكهف: قال رسول الله: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ».
- اللجوء إلى الحرمين: الدجال يطوف الأرض كلها في أربعين يوماً، إلا مكة والمدينة المنورة؛ فقد حرمهما الله عليه، وعلى كل نقب من أنقابها ملائكة يحرسونها بالسيوف.
- الاستعاذة الدائمة منه: وخاصة في التشهد الأخير من كل صلاة.
أقوال العلماء في الدجال
أجمع علماء أهل السنة والجماعة قاطبة على ثبوت خروج الدجال، رداً على بعض الفِرق المنحرفة التي أنكرت وجوده الحقيقي (مثل بعض المعتزلة).
يقول الإمام النووي رحمه الله: "أحاديث الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده... وكل ذلك بتقدير الله تعالى ومشيئته".
ويقول القاضي عياض: "هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجوده... خلافاً للخوارج والمعتزلة وبعض الجهمية الذين أنكروه ورأوا أن أحاديثه خرافات".
نهاية الدجال السحيقة
بعد أن يعيث الدجال في الأرض فساداً ويتبعه الكثيرون (وأكثر أتباعه من اليهود والنساء)، يأذن الله بنهايته. ينزل نبي الله عيسى ابن مريم (عليه السلام) عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. وعندما يتوجه الدجال نحو فلسطين، يلحق به عيسى عليه السلام عند "باب لُد" (مدينة في فلسطين).
بمجرد أن يرى الدجال عيسى عليه السلام، يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيدركه عيسى ويقتله بحربته، ليريح الله الأرض والبشرية من أعظم كذاب دجال عرفه التاريخ، ولتملأ الأرض بعده عدلاً وسلاماً.
