قصة أويس القرني

 قصة أويس القرني: زاهد الأرض ومستجاب الدعاء في السماء


مقدمة

​في زمن التابعين، عاش رجل لم يَرَ النبي (صلى الله عليه وسلم) بجسده، ولم يشارك في المعارك الشهيرة، ولم يملك مالاً ولا جاهاً. كان رث الثياب، مجهولاً بين الناس، ينظر إليه الكثيرون بنظرة الشفقة أو الإهمال. لكن هذا الرجل المجهول في الأرض، كان معروفاً ومقرباً عند الملاء الأعلى في السماء؛ إنه أويس بن عامر القرني.

​سرُّ العظمة: برّ الوالدة

​ولد أويس في اليمن، وأسلم وهو بعيد عن المدينة المنورة. كان يتمنى من أعماق قلبه أن يهاجر إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ويلتقي به ليحظى بشرف الصحبة، لكن حائلاً واحداً منعه من تحقيق هذه الأمنية العظيمة؛ وهو أمه المسنة والعاجزة.

​كانت أمه بحاجة ماسة إلى رعايته وخدمته، ففضل أويس البقاء عند قدمي أمه يخدمها ويرعاها، على السفر لرؤية أعظم خلق الله. آثر رضا أمه وبرها على أمنيته الشخصية، فجازاه الله جزاءً لم يخطر على قلب بشر.

​الوصية النبوية العجيبة

​قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، خُصَّ أويس بذكر عجيب لم يظفر به غيره. قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهما):

"إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعتم أن يستغفر لكم فافعلوا".


​تخيل هذا الموقف العظيم! الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، والقائد الشجاع علي بن أبي طالب، يوصيهما النبي بطلب الاستغفار من رجل فقير ومجهول يعيش في أقاصي اليمن!

​اللقاء الخالد بين عمر وأويس

​مرت السنوات، وتوفي النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتولى أبو بكر ثم عمر الخلافة. وكان عمر بن الخطاب في كل موسم حج يخرج يستقبل وفود اليمن، ويسألهم: "أفيكم أويس بن عامر؟". واستمر على هذا الحال سنوياً حتى جاء عامٌ ووجد فيه رجلاً بسيطاً يبدو عليه الفقر والزهد.

​اقترب منه عمر وسأله: "من أنت؟" قال: "أويس بن عامر".

سأله عمر: "من مراد ثم من قرن؟" قال: "نعم".

سأله: "كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟" قال: "نعم".

سأله: "ألك والدة؟" قال: "نعم، والدة أنا بها برّ".

​حينها بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له: "سمعت رسول الله يقول..." وقص عليه الحديث، ثم قال له الخليفة: "استغفر لي يا أويس!".

ذهل أويس من تواضع الخليفة وقال باستحياء: "كيف أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله وخليفة المسلمين؟". لكن عمر أصر، فاستغفر له أويس.

​الهروب من الشهرة والرضا بالقليل

​عرض عمر بن الخطاب على أويس أن يكتب له إلى والي الكوفة ليتم إكرامه وقضاء حوائجه، لكن أويس اعتذر بأدب وقال كلمته الخالدة:

"أكون في غبراء الناس أحب إليّ"


​(أي أن أكون فرداً غريباً مجهولاً بين عامة الناس أحب إليّ من الشهرة والأموال).

سافر أويس إلى الكوفة وظل يعيش حياة الزهد والعبادة، يطعم المساكين ويدعو ربه في خفاء، حتى لقي الله شهيداً.

​العبرة والمغزى

​إن قصة أويس القرني تبث في النفس أعمق معاني الإيمان:

  • المقياس الحقيقي عند الله: إن قيمة الإنسان عند الله ليست بماله ولا ثيابه ولا شهرته بين الناس، بل بتقواه وخبيئة عمله الصالح.
  • عظمة بر الوالدين: كيف جعل الله برّ الأم سبباً لأن يكون دعاء هذا الرجل مستجاباً في السماء، وأن يطلب منه كبار الصحابة الاستغفار!
  • الإخلاص والعمل الخفي: أن أفضل الأعمال هي تلك التي تكون بين العبد وربه بعيداً عن أضواء الشهرة والرياء.