العابد في صومعته
في زمان مضى في بني إسرائيل، كان هناك رجل صالح يُدعى جريج. كان رجلاً تقياً زاهداً، اختار أن يبتعد عن مفاتن الدنيا وينعزل عن الناس، فبنى لنفسه "صومعة" (مكاناً مرتفعاً للعبادة) يتفرغ فيها للصلاة والتقرب إلى الله تعالى، وكان دائم الانقطاع للعبادة.
نداء الأم ودعوتها
وفي يوم من الأيام، بينما كان جريج واقفاً بين يدي الله يصلي، جاءته أمه تناديه من أسفل الصومعة قائلة: "يا جريج!".
وقع جريج في حيرة شديدة، وحدث نفسه في صلاته قائلاً: "يا رب، أمي أم صلاتي؟" (أي هل أقطع صلاتي لأجيب أمي، أم أكملها؟). فاختار أن يكمل صلاته ولم يجبها.
تكرر هذا الموقف في اليوم الثاني، ثم في اليوم الثالث. وفي كل مرة كانت أمه تأتي لتناديه وهو منشغل بصلاته، فيناجي ربه: "أمي أم صلاتي؟"، ويختار إكمال الصلاة.
في اليوم الثالث، وبعد أن تملكها الغضب لحرمانها من إجابة ولدها، دعت عليه قائلة: "اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات (الزانيات)". وكانت هذه الدعوة من أم غاضبة، فصعدت إلى السماء.
كيد المرأة ومكرها
شاع ذكر جريج وعبادته وتقواه بين بني إسرائيل، فتحدثوا عنه وعن عفته ذات يوم. وكانت هناك امرأة بغي (زانية) يُضرب بها المثل في الحسن والجمال، فاغترت بجمالها وقالت لهم بتحدٍ: "إن شئتم لأفتنَّه لكم!".
ذهبت المرأة إلى صومعة جريج وتعرضت له، وحاولت إغواءه بكل طرق الفتنة، لكن جريجاً المعتصم بحبل الله لم يلتفت إليها، ولم يلقِ لها بالاً، وصدها بقلب ثابت.
لما يئست المرأة من إغوائه وشعرت بالمهانة، توجهت إلى راعي غنم كان يأوي بغنمه إلى جوار صومعة جريج، فمكنته من نفسها وحملت منه.
الاتهام الباطل وهدم الصومعة
مرت الأيام، وولدت المرأة غلاماً. فلما سألها الناس عن والد الطفل، كذبت وقالت ببرود: "هو من جريج".
ثارت ثائرة الناس وغضبوا غضباً شديداً ظناً منهم أن العابد الصالح قد وقع في الرذيلة. توجهوا فوراً إلى صومعته، وأخذوا يضربونها بالفؤوس حتى هدموها عليه، وأنزلوه منها وجعلوا يضربونه ويشتمونه بقسوة.
وعندما سألهم جريج وهو في دهشة: "ما شأنكم؟ وماذا حدث؟"، قالوا له: "لقد زنيت بهذه البغي فولدت منك!".
وفي تلك اللحظة العصيبة، جيء بالمرأة ومعها مجموعة من المومسات، فنظر جريج إلى وجوههن، وتذكر دعوة أمه التي دعتها عليه قبل سنوات، فابتسم.
المعجزة وبراءة العابد
لم يجزع جريج من الموقف، بل طلب من القوم الغاضبين طلباً واحداً وقال: "دعوني أُصلي".
توضأ جريج وصلى ركعتين خاشعتين لله تعالى، ثم انصرف إلى الطفل الرضيع الذي تحمله أمه. طعن جريج بإصبعه في بطن الغلام الرضيع وقال له أمام اندهاش الجميع وصمتهم: "يا غلام، من أبوك؟".
فأنطق الله عز وجل الرضيع الذي في المهد، وأجاب بصوت واضح سمعه القوم: "أبي فلانٌ الراعي!".
ندم القوم وتكريمهم لجريج
لما رأى الناس هذه المعجزة العظيمة، وأدركوا براءة العابد الطاهر، سقطوا في أيديهم وندموا ندماً شديداً على ما فعلوه به. أقبلوا عليه يقبلونه ويمسحون عنه التراب، يعتذرون له عما بدر منهم، وقالوا له تكريماً وتعويضاً عن هدم صومعته: "نبني صومعتك من ذهب؟".
فأبى جريج ذلك وقال بتواضعه وزهده المعهود: "لا، أعيدوها من طين كما كانت". فبنوها له من طين، وعاد إلى صومعته يعبد الله طاهراً نقياً.
أبرز العبر المستفادة من القصة:
- عِظم حق الأم: طاعة الوالدين وإجابتهما مقدمة على نوافل العبادات (مثل صلاة التطوع).
- الحذر من دعوة الوالدين: دعوة الوالدين مستجابة، ولهذا يجب على الأبناء تجنب إغضابهم، وعلى الآباء الحذر من الدعاء على أبنائهم وقت الغضب.
- عناية الله بأوليائه: من اتقى الله واعتصم به في الشدائد، جعل الله له مخرجاً ونصره ولو بمعجزة خارقة للعادة كإنطاق رضيع في المهد.
